تلك كانت الأخيرة

سلسبيل احمد:
ولأن آخر ما يفعله المرء يظل عالقًا في بئر عقله، كنتُ قد كتبتُ نصًا أخيرًا، أُخبرك فيه بأنني بخير، وأن آخر حديثٍ بيننا كان مُلهِمًا لي
كان ذاك حديثنا الأخير، وإلهامي الأخير
أبعث إليك رسالةً أخيرة بكل أنانية أقول فيها:
مرحبًا، هل يمكنك سؤالي عن كيف حالي؟
تعلم أنك أمام امرأةٍ عبثيةٍ في حواراتها
عشوائيةٍ في عناوين حديثها
تعلم أنني أنبش حزنًا وُلد قبل عيد ميلادي بعامين وأخبرك بتفاصيله، ثم أتوقف في المنتصف لأحكي لك قصةً طريفة
أظنها ستحدث بعد شهرين من حديثنا
ولأنك تعلم عشوائيّتي، كنتَ تخبرني قائلًا:
“بكل حبٍ ومودة، لنتحدث اليوم أيضاً.”
وهنا كان حديثُنا الأخير…
واليوم وقد مرّ عامان وتسع سنين فكرتُ كثيرًا أن أكتب رواية، أن أُهديك شيئًا من الإلهام الذي منحتني إياه
كي لا يمرّ عيد ميلادي الخامس والأربعون عبثًا
لهذا كتبتُ: “تلك كانت الأخيرة”
آخر مرة طلبتُ فيها الحديث معك
وآخر إلهامٍ استمددتُه منك
كانت تلك المرة الأخيرة، وبعدها أغلقتُ على قلمي وعدتُ للكتابة بطريقةٍ عادية
تركتُ كل الأفكار الفريدة، والنصوص الجميلة
تركتُ الحماس للنشر، والتحقتُ بجريدةٍ علّي ألمح تاريخًا قديمًا
رقمًا يُعيدني لأيام صباي ويُنسيني الرثاء
على الأقل لأحفر قبري بجانب ذكرى منك
ولألفظ أنفاسي الأخيرة وبي شيء من راحة وكأنني تحدّثتُ إليك أخيراً
ربما لهذا السبب أصدرتُ روايتي:
“تلك كانت الأخيرة”
لأتحدث بها إليك
ثم لتأخذني الحياة حيث تأخذ كل البشر.




